الجزء الرابع من المقاربة النقدية في ديوان جناح الليل للشاعر عبدو سلطان گاسمي.

اليومية المغربية30 مارس 2023آخر تحديث :
الناقد الاستاذ : حسن بوسلام
الناقد الاستاذ : حسن بوسلام

الاهداء معبر مهم إلى دواخل الديوان لان له وجهين :
*الوجه العاطفي حيث يعبر فيه الكاتب عن مشاعره اتجاه من يحب ، إما زوجة ، أو إبن ، أو ام ، او اب ، أو صديق ، او كاتب آخر له الفضل عليه .
*الوجه الفكري يبرز فيه الكاتب عن الأفكار التي سيدافع عنها في متنه الزجلي ، اي يعتبر خارطة الطريق التي هي بوصلة القراءة توجه القارئ في الاتجاه الصحيح حتى لا يزيغ عن جادة الفهم ، وهذا النوع هو الذي سلكه عبدو سلطان في ديوانه جناح الليل ، لنقف عند هاته الاهداءات التي قدمها الزجال بشكل مقصود .
يبدأ الاهداء ب : إلى كل… ، باستثناء اهدائين لم يردا بهاته الصيغة ، جاءت مباشرة إلى المهدى لهما وهما :
1/ الى الكلمة والموسيقى…
2/ الى فلسفة الوجود…
الاول وضحه باستحضار صيغة كل – كل من ينشد موالا بنوتة الألم .
الثاني إلى فلسفة الوجود التي تطرح تساؤلات من أجل التنوير لكشف أشياء غامضة ومبهمة ، اذن هنا إحالة إلى الجانب الوجداني ، لان فيه تعبير عن الألم ، وكذلك إحالة إلى الرغبة في طرح السؤال ، الذي هو بمتابة القلق الذي يحمله الإنسان .
ثم ينتقل الاهداء إلى اقتراح القارئ المفترض في نظر عبدو سلطان ، هذا القارئ المتعاون الذي سيكون الجناح الثانية والتي بها يحلق الديوان إلى رحاب الفهم الصحيح والذوق الرفيع ، وقد درج الكاتب هاته المواصفات ووضعها كالتالي :
*الى كل :
+ من يعشق الجمال ويفك شفرات الألوان – هنا لا بد من شرطين للتعامل مع هذا الديوان ، الاول يعشق الجمال كفعل ذوقي انطباعي ، الثاني القدرة على فك الرموز ، وتفسير دلالات الألوان أي اللغة الايحائية الموظفة .
+ من يمتلك المعرفة ويتجاهل الأشياء النسبية – المعرفة ضرورية لفهم الأشياء في كليتها رغم أن النسبي كذلك ضروري لأن نيتشه وضح قانون النسبية واعتبرها مهمة في فهم الوجود ، فهم الكلي يفيد فهم الاشياء في انسجامها وفي تناقضاتها .
+ من يرهقه الكتمان ولا يجرؤ على التبرير – لان الصمت قاتل للكلمة وينفي الحقيقة ، فهو القول الباني للحياة ومؤسس الوجود ، انا اتكلم واعبر اذن انا موجود ، التعبير عن ما يحسه الإنسان مع وضع تبرير يقنع الآخر ويقنع الذات .
+ شمعة تحترق لتنشر النور وتكشف الغموض والسخافة – اي من يضحي بنفسه ، ببصمته ، بزجله كي يسعد الاخرين ، الى من يسوي نفسه نورا من أصل الاحتراق كي يزيل ظلمة الليل .
+ من يترجم لغة العيون ويقرأ حروف المشاعر وإن لم يكن شاعرا – أي من يفهم الاشياء في رمزيتها ، من اشارتها ، سيكون لبيبا وإن لم يكن شاعرا ، ليس من الضروري أن يكون شاعرا كي يحس ويفهم نص شاعر آخر ، الفهم يمكن أن يكون بالحدس الفني الذي هو خاصية بشرية .
+ من يعيش القلق أو الفرحة بداخله وتجعل منه مبدعا أو حكيما – فالإحساس هو الذي يصنع الشاعر أو العالم ، بمجرد فرح أو قلق يعيشه الإنسان بصدق قادر أن يسوي منهما عالمه الابداعي .
+ يحمل في داخله روحا تشرق كالشمس لتضيء عتمات الكون – الروح الذي يشترك من خلالها الإنسان مع أخيه الإنسان تصبح شمسا تنير ظلمات الكون ، وتجعل من الليل نهارا منيرا .
+ عاشق متمرد في قلبه ذرر المحبة ، وكل ثائر ناضل من أجل نقاء الإنسان – العاشق المتمرد ، والثائر المناضل ، الاول متمرد على زيف الواقع وخداع العواطف ، والثاني ثائر من أجل نقاء الإنسان وصفائه ومن اجل قيمه النبيلة .
+ إلى كل عين ثاقبة تبحث عن جوهر المعنى وكل أذن صاغية تتميز بالإبحار في عمق الخيال – الاهداء الأخير لخص فيه صفة القارئ المفترض القادر أن يجتاز حواجز الديوان بسلام ، له عين تقتفي عمق المعنى ، والعين هنا في نظري ليس العين في معناها الحقيقي بل العين يمكن أن تكون العقل (عين العقل) ، ويمكن أن تكون الخلفية الفكرية التي توجه القارئ ، وله أذن صاغية لها القدرة على الابحار والغوص في عمق الخيال ، فكيف الأذن من خلال الاصغاء ان تمكننا من هذا الفعل الغريب الذي هو الابحار في عمق الخيال ؟ ، وسيلتان تكفيان القارئ لكي يبرم معه اتفاق القراءة وفق شروط وقواعد الفن الأصيل ، هما العين (المبصرة) والاذن (المصغية) .
إهداء متعدد الصفات ومتنوع المقامات فيه يتم السماح لمن أراد ان يسلك شعاب الديوان بسلام ، كما أنه اوحى لنا أن نصوص الديوان حمالة لأوجه قضايا ذاتية وموضوعية ، وانه يعتصر في دواخله هما ثقيلا يحتاج من يخفف عنه هوله ويتمكن من أن يتقاسم معه رحلة الألم المحفوفة بالمخاطر .

عبدو سلطان الگاسمي بهاته العتبات النصية أراد أن يورطنا في متنه الزجلي ، وان يهيئنا إلى المتاعب التي ستصادفنا ونحن نحفر في عمق لغته المتنوعة على المستوى اللهجي وعلى المستوى الفني الشاعري الذي جعل من الزجل الشفهي في اصوله الأولى زجلا شعريا مثقلا بالحمولة الفنية وبتوظيفاتها المتنوعة من رموز ، وانزياحات ، واستعارات ، وتناص محكم ، وصور زجلية في غاية الروعة ، تستفز القارئ سواء أكان انفعاليا او تفاعليا او فاعلا .

هي عتبات ، لا انكر انني تعبت في خوض غمارها ، ولا انكر أنني لم أكفيها حقها ، لأن فيها ولها ما يفرض على القارئ ان يتوقف عندها مليا ، لانها لم تختر اعتباطا بل لها غايتها في تقدير الكاتب ، ولكن أردت فقط أن ألفت الانتباه على أني لم أقدر حجم هاته الوقفة ، لكن طبيعة الديوان وما خلفه في من أثر حميد هو الذي جعل من الشغف سند القراءة والمغامرة التي ركبتها دون سابق انذار .

الناقد الاستاذ : حسن بوسلام / المغرب

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق