حين تقف أمام لوحة بيكاسو Guernica، المنجزة عام 1937، بارتفاع 3,5 أمتار وعرض 7,8 أمتار، تجد نفسك أمام مساحة لونية أحادية، يغلب عليها الأبيض والأسود والرمادي، تُبرز الدراما وتكثّف الإحساس بالمعاناة. الحجم الهائل ليس عنصرًا زخرفيًا، بل قيدا بصريا يجبرك على دخول المشهد، حتى تكاد تشعر بأنك محاصر داخل الفوضى المرسومة. حين تُسحب الألوان، تصبح الخطوط والأشكال والتباين أدوات التعبير الوحيدة، مما يضاعف من أثر الصورة على المشاهد. في تلك اللحظة، يسائل المرء نفسه: كيف يمكن أن أرسم “غيرنيكتي” الخاصة؟ ما الموضوع الملحّ الذي يستحق هذا الحجم وهذه القوة التعبيرية البصرية؟ من هذا السؤال انطلقتُ لأتأمل الرابط بين المسلخ في المخيال الشعبي، أي “الڭرنة”، وبين غيرنيكا كرمز عالمي للمجزرة، ثم إسقاط هذا الربط على المشهد الدموي الجاري في غزة.
في الدارجة المغربية، كلمة “الڭرنة” بالنطق بحرف /g/ تشير إلى المسلخ، أي المكان الذي تقاد اليه البهائم لتذبح. تحمل الكلمة شحنة حسية قوية: الدم، الصرخات، والرائحة النفاذة للموت وعفونة الدم الممزوج بالروث. فضاء مغلق تُنفذ فيه عملية قتل مخطط لها بإحكام حيث المصير محتوم ولا مجال للهروب. ومع الوقت، تحوّلت هذه الكلمة في الاستعما المجازي إلى توصيف لأي حدث دموي منظم/طارئ او مقصود خصوصًا حين يتعلق بالبشر لا بالبهائم.
أما غيرنيكا، فهي قرية إسبانية قدمها فرانكو لهتلر بقصد تجريب قاذفاته الحديدة و تعرضت لقصف جوي عنيف في أبريل 1937، ما جعلها رمزًا تاريخيًا لجرائم الحرب ضد المدنيين. لوحة بيكاسو التي حملت اسمها لم تكتفِ بسرد الحدث، بل أعادت صياغته بصريًا في مشهد تجريدي متوتر و مؤثر، مليء بالتشويه والرعب والانكسار الإنساني. منذ ذلك الحين، صار اسم “Guernica” اختزالًا دلاليًا لأي مجزرة تُرتكب أمام أعين العالم.
الرابط بين “الڭرنة” و”Guernica” ليس لغويًا، بلرمزيا و مجازيا، كلتاهما تحيل إلى فضاء للموت المنظم: “الڭرنة” تصف المكان المادي والآلية، بينما “Guernica” تجسد الأثر النفسي والإنساني للمجزرة. في الاستعمال الشعبي، قد يقول المرء عن مشهد قتل جماعي إنه “ڭرنة”، في إشارة إلى القتل الممنهج وسلب الحياة، وهذا المعنى يلتقي تمامًا مع الرسالة التي تحملها لوحة بيكاسو.
اليوم، أمام ما تشهده غزة من حصار و تجويع وقصف مستمر، يبدو هذا التشبيه في غاية الدقة. المدنيون يُحاصرون ويُقتلون كما تُساق الذبائح إلى المسلخ، والمشهد الإعلامي والسياسي المحيط يجعل من غزة “غيرنيكا جديدة”، مأساة دموية تُبث على الهواء مباشرة، وسط صمت أو تواطؤ دولي. هنا، أجد أن الجمع بين “الڭرنة” كصورة محلية حسية و”Guernica” كرمز عالمي، يمنحنا أداة لغوية وفنية قوية لوصف الواقع. “الڭرنة” تمنح النص حرارة الواقع الملموس، بينما تضيف “Guernica” البعد التاريخي والأخلاقي، وتربط غزة بسجل طويل من المآسي التي وثقتها الذاكرة الإنسانية.
بهذا المعنى، يصبح الربط بينهما ليس مجرد تمرين لغوي أو فني، بل شهادة مضاعفة: شهادة محلية تنبض بتجربة مباشرة، وشهادة عالمية تستحضر إرثًا بصريًا وفكريًا ضد الحرب. الكلمات والصور هنا تتحول إلى فعل مقاومة، وإلى محاولة لانتزاع الحدث من دائرة النسيان ومن تبريرات العنف التي يحاول البعض فرضها على الوعي العام.


















